يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 14992 الثلاثاء 24 صفر 1431هـ الموافق 9 شباط 2010
فن وثقافة
Bookmark and Share
تجليات الحساسية الشعرية في فضاء الحرية : محمود درويش في «أثر الفراشة» د. محمد عبد القادر

 

 
يهيأ إلي أن الإنجاز الأبرز الذي حققه الشاعر الكبير محمود درويش في "أثر الفراشة" (1) يتمثل في تلك الشجاعة الأدبية أو الثقة الفنية التي وظفها للخروج من القفص. والقفص الذي أعنيه هنا هو مجموعة المسؤوليات والالتزامات التي وجد الشاعر نفسه محاصراً بين جدرانها. وإذا كان هو ذاته قد اختار جانباً منها ، فإن الجانب الأكبر أسقطها عليه جمهور شعره ، علاوة على الطبيعة الوطنية والأخلاقية للقضية الفلسطينية. وإذ يقوم القفص على جدران أربعة ، فإن الجدار الأول الذي واجهته تجربة دوريش يتمثل في المسؤولية الوطنية والتاريخية ، وشكّل القراء والجمهور الشعري جداراً ثانياً للقفص ، فيما شكلت التزامات الإبداع والقول الشعري ثالث الجدران ، أما الجدار الرابع فقد أنشأه نقاد لا يستطيعون كشف العلاقة المتجددة للشاعر مع النص الشعري ولا يستسيغون اقتراحاته الشعرية الجديدة ، حسب قول درويش.

في "أثر الفراشة" لا يكسر درويش جدران القفص ، ولا يشي بالقطيعة معها ، لأنها في الأصل منبعها المحبة والاعجاب والالتزام والوفاء ، ولكنه امتلك هنا من الشجاعة ما يكفي لأن يفتح كوة في كل جدار ، يخرج منها متى شاء مثل دوري ويعود من خلالها إذا أراد. ومن هنا بدا لي درويش في هذا الكتاب مثل دوري يشدو من فوق القفص ، لا من داخله ، ولا من خارجه تماماً ، إذ ما تزال ساقاه تلامسان القفص دون انفصام ، وفي الوقت ذاته يكون قادراً على ملء رئتيه بهواء أكثر نقاء وحرية ، ما يساعده على التغريد بما شاء من الغناء.

اشتمل "أثر الفراشة" على ما يقرب من مائة وثلاثين نصاً ابداعياً وصفها دوريش ب"اليوميات" وجمعت في ثناياها أنواعاً شعرية ونثرية مختلفة ذات أبعاد إبداعية وجدانية وفلسفية ، علاوة على صياغات أسلوبية مكثفة تتقطر فيها حكمة التجربة وخلاصة الخبرة. وتختلف يوميات درويش في هذا العمل عن يومياته السابقة في أنها ليست نصوصاً إبداعية تسجيلية لأحداث ولا توثيقاً أدبياً لتطورات سياسية ، بقدر ما هي حالات تأمل عميق يدوّن فيها الشاعر تفاعلاته الذاتية مع الإنسان والأشياء والزمان والمكان بصورة شخصية ويومية ، وبأسلوب سلس متخفف من أحمال اللغة المرهقة. فقد تنوعت الموضوعات الى حد كبير ، فإذا كانت في جانب منها تدون خواطر الشاعر أو فلسفته تجاه القتل ، العبث ، الألم ، الموت ، الحرب ، العدو ، الجدار ، لبنان ، العراق ، بوش ، الخوف ، العزلة ، فإنها في جانب آخر تتناول موضوعات في: المعنى ، السفر ، المشي ، الطريق ، اللاشيء ، الحنين ، التأمل ، الحياة ، الصمت ، الحكمة ، السخرية ، علاوة على خواطر حول ذكريات للمدن والأماكن والأصدقاء ، إضافة الى شيء من فلسفة السعادة وشيء من الحب ، ورؤى في الإبداع.

وأستطيع القول أن التنويع في الحساسية الشعرية والنثرية بعامة تجلى بالتعدد في مناحي اللغة والأسلوب والشكل ، والموضوع ، والبناء الفني ، والنوع الأدبي ، والايقاع ، وبالتالي تنوع الرؤى الوجدانية والفلسفية ، وهو ما سيتضح في سياق هذه الدراسة. وكأن درويش في نصوص البوح الذاتي هذه يواصل رحلة كشف الذات للقارئ واكتشاف الذات للشاعر بالغوص في مناطق لم يتعود الشاعر ارتيادها ولم يتعود القارئ الاطلاع عليها إلاّ في أعمال درويش الأخيرة ، ومنها "أثر الفراشة".

ومن المداخل الهامة لقراءة الكتاب ، ما أورده الشاعر من إشارة سبقت النصوص ذاتها لتقول إن هذه اليوميات "صفحات مختارة من يوميات كُتبت بين صيف 2006 وصيف 2007". وهي إشارة ذات دلالة من شأنها أن تلفت نظر القارئ إلى أحداث بارزة جرت خلال الفترة ما بين الصيفين المذكورين منها - على سبيل المثال - واتصالاً بالنصوص المدونة في الكتاب - حرب تموز الاسرائيلية على لبنان وحرب الإخوة - الأعداء في غزة ، علاوة على استمرار العدوان الأمريكي على العراق وطناً وشعباً وحضارة.

ولابد لعنوان الكتاب - "أثر الفراشة" - أن يستوقف القارئ لبلوغ المعنى أو في أقل تقدير سعياً لبلوغ معنى عرفاناً بما قاله درويش "نمشي ونمشي الى المعنى ولا نصل".

في القصيدة التي حملت عنوان "أثر الفراشة" يقول الشاعر:

أثر الفراشة لا يُرى ـ أثر الفراشة لا يزولُ

ويخيل إلي أن رمزية الفراشة أو صورها أو دلالاتها في قصائد درويش السابقة من شأنها أن تلقي الضوء على دلالات الفراشة وأثرها في هذا الكتاب. في ديوان "أعراس"(2) استخدم درويش صورة تقول "وتحمل عبء الفراشة" ومثلت هذه الكلمات عنواناً دون أن ترد المفردة في سياق القصيدة ، لكن الصورة تعود في "سرير الغريبة"(3) في السياق التالي:

يغني المسافر في سره ـ لا أعود من الشام ـ حياً ـ ولا ميتاً ـ

بل سحاباً ـ يخفف عبء الفراشة ـ عن روحي الشاردة

ولعل "عبء الفراشة" في الحالتين إنما يمثل رمزاً على رهافة الحس لدى الشاعر وسرعة تأثر روحه بأي حدث أو قصة أو حنين.

وفي "ورد أقل" (4) يقول درويش:

"نؤرخ أيامنا بفراش الحقول" ، لتكون الفراشة هنا مكوناً من مكونات ذاكرة الطفل ـ الإنسان ، صورة من صور الوطن. وفي "جدارية"(5) يقول الشاعر "نهر واحد يكفي ـ لأهمس للفراشة: آه ، يا أختي" لتصبح الفراشة توأم الروح للشاعر في وحدته. في ديوان "لا تعتذر عما فعلت"(6) يقول درويش:

هل أضاءتك الفراشة ـ عندما احْتَرَقَتْ ـ بضوء الوردة الأبدي؟

وهنا تصبح الفراشة ، التي من طبعها أن تبحث عن الضوء وتحوم حوله ، هي مصدر النور والحياة لدى احتراقها المجازي. وفي "حضرة الغياب"(7) تجيء الفراشات معنى واضحاً لا يحتاج الى تفكيك:

الفراشات هي الذكريات

لمن يتقنون الغناء قرب

نبع الماء

- - - - - - - - - - -

الفراشات خواطر مبعثرة

ومشاعر طائرة في الهواء

فالفراشات هنا ذكريات الطفولة في حياة أبناء القرى ، وقد تكون الصبايا الحبيبات ، ما يعني أن الفراشات ليست كائنات منفصلة عن الإنسان وروحه ، بل تحمل ذكرياته وخواطره ومشاعره.

أردت من هذا العرض لبعض تمثيلات الفراشة في قصائد درويش أن أشير الى أن دلالات "الفراشة" كمفردة ورمز وصورة تتمحور حول معاني الطفولة والذاكرة والضوء والحياة والخفة والجمال وما إلى ذلك. و"أثر الفراشة" في الكتاب إنما هو الخواطر السريعة التي تحل فجأة أو تحضر بالتداعي والتأمل وتكون قادرة على أن تستولد معنىً عميقاً وتترك أثراً قوياً وصورة لا تمحى من الخيال.

وإذا كان بإمكاننا أن نقول إن يوميات درويش في هذا العمل أشبه بغناء من فوق القفص ، فإن ذلك يعني بالنتيجة أن المرحلة الجديدة في شعر درويش ونثره تقتضي بالضرورة أن يتجاوز الأشكال والموضوعات والمعاني والصور المستقرة ، فالذين يبحثون عن وحدة عضوية في "أثر الفراشة" سيصابون بخيبة أمل ويتمنون لو انفرد الكتاب بشكل محدد من الأشكال الأدبية. ومن يبحث عن موضوعات ملحمية قد يجد موضوعات تصلح لذلك ، لكنه لن يجد معالجة ملحمية ، بل سيجد نصوصاً فنية بسيطة ، وقصائد قصيرة بعيدة عن المطولات الشعرية الملحمية. أما من يبحث من النقاد عن "تعاليمه" الفنية فلن يجد منها الكثير. منذ زمن درويش يقول "أنظف لغتي من جمالياتها الزائدة" وأن "التقشف الجمالي جزء من جماليات جديدة" ، ولكن النقاد - أو بعضهم - يطالبونه بالعودة الى الوراء. في هذا الكتاب يعود درويش لإثارة القضية مرة أخرى في واحدة من قصائده:



"يغتالني النقاد أحياناً ـ يريدون القصيدة ذاتها ـ والاستعارة ذاتها"

- - - - - - - - - -

"يغتالني النقاد أحياناً ـ وأنجو من قراءتهم ـ وأشكرهم على سوء التفاهم ـ ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة".



في هذا الصراع بين "قارئ قديم مخلص لذاكرته القديمة" وشاعر يبحث عن لغة جديدة وموضوعات لم يطرقها من قبل ولم تألفها الذائقة التي اعتادت قراءة درويش ضمن إيقاعات معينة ، يتتصر الشاعر لفنه ولغته وإيقاعه مؤكداً أن جمهوره من القراء الجدد لا يقلون وعياً وعدداً عن جمهوره القديم.

في غنائه من فوق القفص يلتقط درويش مشاهد أو خواطر أو مواقف أو رؤى في حقول إنسانية عديدة ويعبر عنها بشعر ونثر بسيطين في الشكل عميقين في المضمون. مثال ذلك القصيدة ـ المفتتح التي جاءت في مستهل الكتاب تحت عنوان "البنت ـ الصرخة" ، والتي تصور المشهد التلفازي (خبر عاجل) لعائلة فلسطينية على بحر غزة ذهبت أملاً في سويعات من الاستجمام ، فعاجلتها البارجة الاسرائيلية بقذيفة قاتلة ، فيما بقيت على قيد الحياة تلك البنت التي كانت تواصل الصراخ بهستيريا طفولية غير مسبوقة وتنادي "يابا .. يابا".

فكيف عبّر درويش عن هذا المشهد الذي جاء في خبر عاجل. كان يمكن له أن يكتب قصيدة ملحمية ، لكنه في مرحلته الجديدة آثر أن يكتب قصيدة مشهدية قصيرة تُقرأ في أقل من دقيقة وبكلمات يقل عديدها عن مائة ، وبايقاع هادئ يعكس ايقاع القتل بدم بارد ، وبلغة لا تتجاوز وعي الطفولة ، بل تصلح نصاً شعرياً في كتاب مدرسة ابتدائية.

والشاعر في مرحلته الجديدة يقف أمام الطبيعة ويتعلم منها ، في الفصول تغير الطبيعة شكلها وايقاعها وألوانها فتصبح في رؤية الفنان تجربة فنية تشكيلية تثير شهيته للتعلم من الجماليات الخاصة للطبيعة. وفي بعض نصوص "أثر الفراشة" يلحظ القارئ المتأمل تلك المزاوجة المبدعة بين جماليات الطبيعة وجماليات اللغة الشعرية ـ النثرية التي يحققها الشاعر في هذا الكتاب ، يقول:

"والعشب المائل الى الاصفرار ـ صور تتقشف وتغري البلاغة بالتشبه بأفعالها الماكرة ..... والطبيعة جسد يتخفف من البهرجة والزينة".

ولا يتردد درويش في القول أن "كسر الايقاع بين حين وآخر ضرورة ايقاعية" ، وهو الذي أشار الى الغاية من ذلك في زمن مضى حين قال في "الجدارية" "لم أغيّر غير ايقاعي لأسمع صوتي واضحاً".

واذا كان كتاب "أثر الفراشة" نموذجا لتعدد الحساسيات الفنية لدى درويش ما بين شعر ونثر ، فإن قارئ النصوص سرعان ما يعثر على القصيدة الحرة ، والقصيدة النثرية ، والقصيدة العمودية ، وفي النثر يقرأ نصوصاً أدبية وجدانية ، وأخرى فلسفية دون تجريد ، وصياغات أدبية مكثفة أشبه "بالتوقيعات" المعروفة في الأدب العربي القديم ، لكن أبرز ما يلفت الانتباه في النصوص النثرية هو توافر عدد من النصوص التي تنتمي الى نوع "القصة القصيرة جدا" ، أو "الأقصوصة". قد لا يتوقع قارئ درويش أن ينحو الشاعر نحو كتابة الأقصوصة ، كأنه ليس من حق أحد أن يسائل الشاعر ما إذا كان يرتاد عالماً جديداً من النثر الفني ، فتلك مسألة تخص القارئ والناقد أولاً وأخيراً. إن قراءة متأنية للنصوص النثرية تشير الى أن العديد منها في الكتاب إنما هي أقاصيص بامتياز ، وقد أحصيت منها تسعة عشر نصاُ هي كما يأتي: (العدو ، البعوضة ، واجب شخصي ، ماذا ... لماذا كل هذا؟ ، موهبة الأمل ، جار الصغيرات الجميلات ، يرى نفسه غائباً ، قال: أنا خائف ، حنين الى نسيان ، وقت مغشوش ، واحد .. اثنان .. ثلاثة ، شال حرير ، ما يشبه الخسارة ، غيمة ملونة ، كما لو كان نائماً ، ثلج ، مواعيد سرية ، كابوس ، مسافران الى نهر). ويمكن بمزيد من التسامح الفني لمن يريد ، أن يضيف الى هذه القائمة نصوصاً أخرى تنتمي الى نوع الأقصوصة.

ولست أقول بهذا التصنيف من منطلق الرغبة أو التذوق الأدبي ، بل أرى ذلك استناداً الى سمات القصة القصيرة جداً(7) ، فهي نصوص ذات بنى سردية بالغة الدقة في التركيب ، شديدة التكثيف للغة والمشهد الوصفي ، لغة إبداعية تميل الى البساطة وتحذف الزوائد والتفاصيل ، وهي لغة إيحاء وترميز يتجلى فيها الايجاز والاختزال. كما أنها نصوص ذات ايقاعات متنوعة ، متفاوتة في الطول نسبياً ، لكنها قصيرة جداً قياساً بمواصفات القصة القصيرة. وتنطوي عناوينها على ايحاءات ودلالات فنية ثرية ، حديثة الفكرة والموضوع ، وفيها استخدام ماهر للمفارقة ، وتوظيف مثير لجماليات السخرية والتورية ، كما تتمتع بقفلات شديدة الادهاش ، وهذه سمة رئيسة من سمات الأقصوصة. والسرد قائم في جانب على أفعال التأمل الذهني والوجداني ، لكن أفعال الحركة والاداء تمثل الجانب الأبرز في السرد القصصي القصير جداً في هذا الكتاب. على أن التدليل على ذلك من خلال تناول نقدي لبعض هذه الأقاصيص يحتاج حقاً الى دراسة مستقلة.

ويواصل درويش ، في غنائه من فوق القفص ، إطلاق حرية حساسياته الشعرية من خلال الاخلاص لما هو شعري في اللغة والايقاع وشكل القصيدة ، دون أن يقيد نفسه بلون محدد طالما أن الابداع من جانب ، والحداثة من جانب آخر ، لا يتوقفان على عنصر واحد من عناصر القصيدة ، بل على تكامل العناصر الشعرية المستندة الى رؤية حداثية للتجربة الشعرية المحددة. وبدا واضحاً أن لا مشكلة لدرويش مع القصيدة الحرة ، أو العمودية ، أو القصيدة النثرية طالما أن الابداع هو محك التجربة الشعرية. يتمنى أنصار القصيدة التقليدية (العمودية) أن يكتب درويش كل قصائده على أوزان الخليل ، وبالمقابل يسعى أنصار "قصيدة النثر" الى استدراج درويش للغناء في حديقتهم التي لا يرون حديقة غيرها. يعترف الشاعر المبدع أمجد ناصر بأنه "كان هناك موقف متواطأ عليه بين شعراء "قصيدة النثر" من شعر محمود درويش ، موقف مضاد. فهو كان سيد التفعيلة ونجم "القصيدة الوطنية" بلا منازع ، ونحن كشعراء جدد كان علينا أن نحارب التفعيلة وأن نطرد "القصيدة الوطنية" من جنة الحداثة(8). وفي مقدمة العدد الذي خصصته مجلة "نقد": لدراسة تجربة درويش ، نقرأ شيئاً من فقرة تقول "بعد "كزهور اللوز أو أبعد" (2005) بات انتقال محمود درويش الى كتابة قصيدة النثر أكثر سلاسة ، وربما أكثر حتمية. لقد أظهر درويش في هذا الديوان قدرة (رغبة ؟) كبيرة على "تمويت" الوزن وإدخاله في غيبوبة".(9)

يتضح هنا مدى الرغبة أو التمني أو السعي لحشر شاعر كدرويش في لون شعري واحد وحصره في ذائقة شعرية محددة ، مع العلم أن درويش قد اتخذ منذ زمن موقفاً إيجابياً من قصيدة النثر وهو الذي قال "خلافي ليس مع قصيدة النثر التي أحبها كثيراً ، خلافي هو مع الادعاءات النظرية التي تقول أنه لا شعر ولا حداثة خارج قصيدة النثر" ثم يضيف "أنا من أكثر المعجبين بها"(10).

في "أثر الفراشة" يوسع درويش من نطاق حريته الفنية بين شعر ونثر ويواصل رحلة الغناء من دون قيد أو "تحزب" أو إخلاص لنوع أدبي على حساب نوع آخر ، ويجاور ما بين نثر وقصيدة حرة ، ونثر وقصيدة عمودية ونثر وقصيدة نثرية كما لو كانت مرايا متقابلة أو متجاورة. يكتب طليقاً مثل بروميثيوس ، وللقراء والنقاد أن يواصلوا ذائقتهم كما يرغبون.

ويمكن لنا أن نتلمس تجدد الحساسية الشعرية لدرويش تجاه قضية الموت في "أثر الفراشة". فالمعروف أن لدرويش مع الموت علاقة "شخصية" تبدو واضحة. في أعماله السابقة كان الموت حالة استشهاد مقدسة ، أو حالة نفسية ، وجودية ، أو فراقاً يستدعي الألم والوفاء والرثاء ، وسوف يبقى في بعده الإنساني بعامة وفق هذا المنظور. لكن القضية المثيرة هنا هي موقف درويش من الموت كحالة شخصية ، أو كموقف ذاتي ، هذا الموقف الذي لا نستطيع رؤيته بدقة ووضوح دون العودة الى موقفه من الموت في "جدارية". انطلاقاً من تجربة شخصية مباشرة مع الموت (في مرحلة المرض والعلاج في باريس) ومعانقته للحياة من جديد ، تحولت مسألة الموت من حالة ذهنية وجودية مجردة ، إلى حالة حقيقية ومجابهة واقعية بين طرفين: الشاعر والموت. دخل درويش حلبة الموت كشاعر يواجه خصمه وجهاً لوجه. دخل ما أسماه "الأبدية البيضاء" ، ووقف على "باب القيامة" حين كان "الوقت صفراً". وقف أمام موت مسلح بالمصير المطلق والقدرة الأزلية ، وشاعر مريض - يريد أن يحيا - ومسلح باللغة التي بدت مثل أداة يوظفها الشاعر لمناكفة الموت عبر "الإحساس" بالخلود. وكأن درويش يقول للموت: تستطيع أن تختطف مني الجسد لكنك لن تفتك باللغة ـ الفن ـ الابداع:

هزمتك يا موت الأغاني في بلاد ـ الرافدين. مسلة المصري ، مقبرة الفراعنة ـ

النقوش على حجارة معبد هزمتك ـ وانتصَرَتْ ، وأفلت من كمائنك ـ الخلود ..

يخرج درويش من مجابهته مع الموت كمن أبرم عقداً للصلح مع عدو الحياة ، يتيح الموت بموجبه للشاعر أن يكمل ما تبقى له من حياة ، فيما يتعين على الشاعر أن يحترم الموعد الأخير:

أيها الموت انتظرني خارج الأرض ـ انتظرني في بلادك ، ريثما أنهي ـ حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي ـ قرب خيمتك.

في "أثر الفراشة" يستدعي الشاعر الموت مرة شعراً ومرة نثراً في سرحتين خيالتين افتراضيتين وقد بات واضحاً - منذ الجدارية - أنه قد تخلص من رهاب الموت (ورهاب الموت على أي حال هاجس يقلق المبدعين على الدوام). في "بقية حياة" يقول درويش:

إذا قيل لي ستموت هنا في المساء ـ

فماذا ستفعل في ما تبقى من الوقت؟ ـ انظر في ساعة اليد ـ أشرب كأس عصير ـ وأقضم تفاحة ـ أجلس حتى الظهيرة حياً الى مكتبي ـ أعد غدائي الأخير ـ أمشط شعري ـ ........... ـ ثم أمشي الى المقبرة.

الشاعر يستقبل الخبر ببساطة بالغة ، يواصل حياته كالمعتاد ، ويتعامل مع "الدعوة" كما يتعامل مع موعد أو شخص محدد ، وفاء بعقد المصالحة المؤقت.

في النص الثاني "الحياة حتى آخر قطرة" يقول:

"وإذا قيل لي ثانية: ستموت اليوم ، فماذا تفعل؟"

يقول درويش أنه سيواصل حياته دون تغيير ـ ويعلق قائلاً:

"ماذا بوسعي أن أفعل غير ذلك ، حتى لو كنت أشجع من أحمق وأقوى من هرقل"

على أن في الموقف من الموت الشخصي عند درويش يتمثل في أنه في "الجدارية" أقام حواره مع الموت ، لكنه في "أثر الفراشة" ينشئ حواره مع الحياة. فبعد أن قال في "الجدارية": "يا أيها الموت انتظرني" ، نراه يقول في هذا الكتاب:

لم أسدد أي دين للحياة ـ قالت ـ تعلمني تجدني في انتظارك

قلت: شكراً للحياة ، فإنها هبة وموهبة ـ تعلمت الحياة بما استطعت من الشقاء وعلمتني كيف أحياها لأنساها

وسوف يتضح هذا الحوار أكثر في قصيدته الأحدث "لاعب النرد" حيث يتجاوز حوار الموت ليوجه نداءه للحياة:

للحياة أقول: على مهلك انتظريني ـ إلى أن تجف الثمالة في قدحي ـ في الحديقة ورد مشاع ، ولا يستطيع الهواء ـ الفكاك من الوردة ـ انتظريني لئلاّ تفر العنادل مني ـ فأخطيء في اللحن ـ .

"أثر الفراشة" عمل أدبي يؤكد ثقة الشاعر بتجربته الفنية والانسانية وأهمية الحرية الابداعية في التعبير عن هذه التجربة. إنه يواصل تجاوز ذاته في كل عمل جديد ، مثلما يواصل كسر الايقاع القديم بايقاع جديد. هو شاعر يستعصي على الحشر في قالب محدد ، فهو ما يزال يتعلم شيئاً عن نفسه ، ويتعلم أشياء من الطفولة (البراءة) والطبيعة (الأم) والحياة (التجربة). شكراً لموت أمهل درويش عمراً سيأتي ، وشكراً لحياة علّمته كيف يعيش ليعرف كيف يبدع المزيد.



ہ كاتب وناقد أردني

هوامش



(1) محمود درويش ، أثر الفراشة ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت ، ,2008

(1) محمود درويش ، أعراس ، ديوان م.د ، المجلد (1) ، دار العودة ، بيروت ، ,1994

(2) محمود درويش ، سرير الغريبة ، رياض الريس ، بيروت ، ,1999

(3) محمود درويش ، ورد أقل ، رياض الريس ، بيروت ، ,1994

(4) محمود درويش ، في حضرة الغياب ، رياض الريس ، بيروت ، 2006

(5) محمود درويش ، لا تعتذر عما فعلت ، رياض الريس ، بيروت ، ,2004

(6) يمكن في هذا الصدد مراجعة ما كتبه د. أحمد جاسم الحسين ، وجميل حمداوي ، ود. حسين المناصرة على المواقع:

1)www.ofouq.com

2)www.adabfan.com

3)www.aljazeerah.com

حيث يتوافر شرح واضح لمفهوم القصة القصيرة جداً وأساليبها وخصائصها ، وقد استفاد الكاتب من الخصائص التي أوردوها في دراساتهم.



(7) أمجد ناصر ، "اعتراف متأخر" ، في كتاب: محمود درويش - المختلف الحقيقي دراسات وشهادات ، دار الشروق ، عمان ، 1999 ، ص ,219

(8) موقع (www.kikah.com).

(9)لقاء حواري مع محمود درويش ، 27 ـ 4 ـ 2007 على www.fatehforum.com



Date : 15-08-2008


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team